مقال

المترجم، جنس في طور الانقراض؟

منذ التجارب الأولى للترجمة الآليّة في السنوات 1950، ما فتئ الناس يتوقّعون انتصار الآلة على الإنسان. ومع ذلك، لم يسبق أن شهد عدد المترجمين مثل هذا الارتفاع. ورغم ما بلغته أنظمة التّرجمة عبر الإنترنت من إتقان وإتاحتها للجميع، فإنها لم تقضِ على المهنة، بل غيّرتها.
Adrià Fruitós for The UNESCO Courier

جوس موركنز

أستاذ مشارك في كلية اللّغات التّطبيقية والدّراسات الثقافية البينيّة ومركز "أدابت" ADAPT بجامعة دبلن بإيرلندا.

يعود تاريخ أوّل تجربة عمومية في التّرجمة الآليّة إلى سنة 1954. هذه التّجربة، التي قام بها باحثون من شركة إِي بي أم وجامعة جورج تاون في واشنطن العاصمة، كان يُفترض أن توفّر ترجمة آليّة فورية عآليّة الجودة من الرّوسية إلى الإنجليزية في غضون بضع سنوات. ومنذ تلك المحاولة الأولى، أصبحت فكرة استبدال المترجمين بآلات، على المدى القريب، أمرا عاديا ومألوفا. وفي سنة 2018، ادّعت مايكروسوفت أن ترجماتها للبيانات الصحفيّة من الصينيّة إلى الإنجليزية أصبحت ذات جودة تضاهي جودة التّرجمة البشرية. والمفارقة هي أنّه في الوقت الذي أصبحت فيه أنظمة التّرجمة الآليّة في متناول الجميع، لم يسبق لعدد الأشخاص العاملين في قطاع التّرجمة أن بلغ هذا الارتفاع الذي ناهز 600.000 شخص في جميع أنحاء العالم. ففي هذا السّياق، هل من داع للقلق لدى المحترفين؟ 

في الواقع، الوضع مُعقّد أكثر مما يبدو عليه. أوّلا لأنّ المترجمين أنفسهم يلجؤون إلى المساعِدات الرّقمية. فالذين يشتغلون على نصوص متكرّرة بوسعهم استخدام ذاكرة للتّرجمة تسمح لهم بتوفير جهودهم وإعادة استخدام ترجمة جمل مماثلة أو مشابهة لتلك التي سبق ترجمتها. كما يعتمد العديد من المترجمين التّرجمة الآليّة قبل أن يقوموا بمراجعة النّصوص التي تقترحها الآلة. في حين يرفض آخرون هذه الطّريقة في العمل لاعتقادهم بأنها تُفقد قيمة شغلهم وبأن الأجر غير كافٍ.

هناك، دون شكّ، بعض النّصوص التي تتمّ ترجمتها بواسطة الآلات دون أي تدخّل بشري. فحجم المحتويات الرّقمية يجعل المترجمين غير قادرين على تلبية الطّلب على أيّ حال. ويرتبط اللّجوء إلى الأَتْمَتَة automatisation، عمومًا، بعُمُر النصّ وبالتّبعات المحتملة لأخطاء التّرجمة. فترجمة تعليقات نقديّة على الأنترنات عن رحلة ما أو تغريدة على تويتر يمكن أن تُترجم آليا. في المقابل، تتطلّب النصوص الطبية والوثائق المعدّة للطباعة مزيدًا من الإشراف البشري.

خيبات الأمل

 من بين المشاكل التي تطرحها الأتمتة أنه وقعت، منذ البداية، المغالاة في تقدير جودة التّرجمة الآليّة قبل أن تُمنى الآمال المُعلّقة عليها في عام 1954 بالخيبة. أما بالنسبة لجودة ترجمة البيانات الصحفية لسنة 2018، فقد كانت تستجيب لمعايير تقييم محدودة للغاية. صحيح أن التّكنولوجيات تطوّرت كثيرًا في السنوات الأخيرة حيث  كانت الأنظمة الأولى تستند إلى جملة من القواعد المشفّرة يدويًا وإلى قواميس ثنائية اللغة ثمّ أصبحت، منذ السنوات 1990، تعتمد على التّرجمات البشرية الموجودة لتستخرج منها بطريقة إحصائيّة التّرجمة الأكثر اقترابا من الجملة المصدر. 

خلال السنوات 2000، انتشرت التّرجمة الآليّة المجانية حيث تحسّنت جودتها بشكل ملحوظ حوالي سنة 2016 بفضل التّرجمة الآليّة العصبية. إذ تعمل أنظمة التّرجمة الآليّة العصبية المفروض فيها محاكاة الشبكات العصبية للدماغ البشري، على ترجمة جملة ما بطريقة معقولة إحصائيًا استنادًا إلى "بيانات التعلّم أو التّدريب"، أي إلى مدوّنة جمل المصدر (أو الأصلية) ومختلف ترجماتها البشرية.

وبفضل سهولة النّفاذ إلى أنظمة التّرجمة الرّقمية هذه وحسن أدائها، فإنّها أصبحت تحظى بشعبية كبيرة. وفي سنة 2016، أعلنت شركة غوغل أن نظام غوغل للتّرجمة يُنتج ما لا يقل عن 143 مليار كلمة في اليوم. غير أنّ وثوقيتها ليست جيّدة أحيانا.

أخطاء وأفكار مسبقة

تتمثّل المشاكل الأكثر شيوعًا في الترجمات الخاطئة للأسماء أو الأفعال ضمن الجملة الواحدة رغم أنّ هذه الأخيرة تظلّ متناسقة لكنّ معناها يختلف تمامًا عن الجملة المصدر. وهناك عقبة أخرى تتمثّل في التحيّزات التي يمكن أن تنشأ عنها أحكام مسبقة مثل استعمال صفات من نوع "جميلة" أو "وقحة" أو "مثيرة جنسيا" التي تُقرن بسهولة بالأنوثة مقابل صفات أخرى من قبيل "رشيد" (متعقّل) أو "صارم" أو "ودود" تُقْرن في غالب الأحيان بـالذكورة.

مثل هذه التّحيّزات قد يكون من الصعب جدّا التفطّن إليها وحذفها. ومن جهة أخرى، فإنّ الكلمات الغامضة أو الملتسبة التي أربكت أنظمة التّرجمة الأولى تظلّ قائمة. وقد حدث أن أعطت بعض التّرجمات الآلية نتائج غير متوقّعة، وهي ما يسمّيها الباحثون "الهلوسات" التي تسبّب بعضها في إثارات إعلامية. ويشير تقرير صدر سنة 2018 إلى بعض التّرجمات الغريبة الصّادرة عن مترجم غوغل، مثل ترجمة تراكيب عشوائية من الحروف إلى نبوءات دينية.

قد يكون من الصعب جدّا التفطن إلى التحيزات ذات النزعة الجنسية في التّرجمة الآليّة

وختاما، فإن نيّة المؤلّف وهدف النص لا يمكن تشفيرهما في نظام آلي إذ يُفْضِي عكس ذلك إلى القضاء على الثراء المعجمي بتفضيل الكلمات الأكثر تداولّا في بيانات التدريب الخاصة بها. وبالنسبة للنصوص الإبداعية أو الأدبية، فإنّ صوت المؤلّف يضيع في هذه العملية،

التّخفيض في التكاليف

رغم كل هذه النقائص، تبقى اليوم التّرجمة الآليّة مُستعملة على نطاق واسع، وأصبحت المراجعة جزءًا لا يتجزأ من العمل اليومي لدى العديد من المترجمين. واعتبارا لما تتّسم به من جودة وقلّة التكاليف، فهي تُدرج، أحيانا صلب نسق العمل للمترجمين. وبما أنّ الجزء الأكبر من هؤلاء مستقلّون، فإنهم ليسوا بالضرورة في موقف قويّ للتصدّي لها. ففي مجال التّرجمة المرئية (للأفلام أو غيرها)، على سبيل المثال، تُستخدم التّرجمة الآليّة على نطاق واسع للتّقليل من التّكاليف ومن آجال الإنتاج. لكن المراجعة تبقى ضرورية لأن التّرجمة الرّديئة كثيرا ما تؤدّي إلى شكاوى من قبل المشاهدين. وفي مجال الأدب، لاحظت مؤخرًا الدكتورة آنا جيربيروف أريناس، وهي أستاذة محاضرة في مركز دراسات التّرجمة بجامعة سورّاي بالمملكة المتحدة، أن انجذاب القرّاء إلى سردية النصّ يقلّ وتضعف لديهم متعة قراءة النّصوص المترجمة آليّا.

وخلاصة، يمكن أن تكون التّرجمة الآليّة مفيدة وذات جدوى، سواء بتدخّل بشري أو بدونه. غير أنّ الاعتماد المكثّف على الأتمتة في أساليب العمل قد يؤدّي في النهاية إلى جعل مهنة المترجم غير جذّابة. بيد أنه، كما أوضحت دوروثي كيني، الأستاذة في كلية اللغات التطبيقية والدراسات بين الثقافات في جامعة دبلن (إيرلندا)، فإن تعميم الآلات من شأنه أن يعرّض استدامة التّرجمة إلى الخطر، طالما أن التّرجمة الآليّة تعتمد، في نهاية المطاف، على بيانات وشرعية لا يمكن منحهما سوى من العنصر البشري.

الترجمة سفر من عالم إلى آخر
اليونسكو
أبريل-يونيو 2022
UNESCO
0000381067